القصة - أبو الفوارس عنترة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

القصة - أبو الفوارس عنترة

مُساهمة من طرف Admin في الجمعة أكتوبر 31, 2008 4:54 am

مُغَنِّى القافلة
كان
(عنترة) يقود البعير الذي تركبه (عبلة) في صدر القافلة وهي عائدة من عرس
ابنة خالتها في قبيلة (هوازن) وهو بين حين وحين يلتفت نحو الهودج الذي يضم
عبلة فيخفق قلبه، ويستمر في الغناء، حتى بلغ الركب أول الوادي فأناخوا
الإبل ، وأزاح الستار عن الهودج الذي فيه (عبلة) فنظر إليها وقال :منزل
كريم يا عبلة. فقالت باسمة : شكراً لك يا عنترة.
وكانت (عبلة) تلبس ثوبا معصفراً وتتحلى بالذهب واللؤلؤ، وكانت معها بعض
نساء القبيلة، وفيهنَّ (مروة) بنت شدَّاد التي شعرت بالغيْرة من (عبلة)
واهتمام عنترة بها.
ولما فرغ (عنترة) من إناخة الإبل ، فَرَّقَ العبيد والأتباع ليقوم بعضهم
بسقاية الإبل، وبعضهم بضرب الخيام ، وآخرون بإيقاد النار، وذهب هو يدور
حول الوادي ليطمئن على أمن المكان.
وعاد عنترة من جولته ليرى الفتيات يضحكن وعبلة تلهو معهن، فوقف يتأمل
وجهها الجميل، وعاودته ذكريات أحلامه المكتومة، إذ لا يستطيع أن يبوح بحبه
لعبلة، فهي ابنة (مالك) سيد القبيلة، وهو (عبد) من عبيد (شدَّاد) . فكيف
يتطلع إلى حبها؟ وقف عنترة سابحاً في خياله، فرأى (عبلة) تميل فوق حوض
صغير؛ لترى صورتها على صفحة مائه، فاندفع نحوها، وقال لها بصوت هامس: أنت
أجمل من زهرات الربيع. فصرخت من سماع صوته فجأة ولكنها اطمأنت عندما رأته،
وأقبلت الفتيات عندما سمعن صوت عبلة، فرأين عنترة عندها، فجعلن يمزحن معه.
وقالت مروة بنت شداد : ماذا جاء بك إلى هنا؟ فقال لها في ضراعة: لأكون في
خدمتك يا سيدتي. فقالت ضاحكة : في خدمتي أنا؟ أم خدمة عبلة؟
وطلبت منه الفتيات أن يقوم بالغناء والإنشاد، فقال : لن أقول شيئا حتى
تأذن لي سيدتي (عبلة). وبعد حوار قالت له عبلة: قل شعرك يا عنترة، فإنَّ
الغيرة لتأكل قلوبهنَّ، فوثب عنترة في مرح وجعل ينشد قطعاً من شعره ، وفيه
وصف لجمال عبلة وكرم أخلاقها وشرف نسبها، مما أشعل الغيظ في قلوب الفتيات،
ولا سيما (مروة) التي أرادت أن تغيظ (عبلة) ابنة عمِّها، فجمعت الفتيات
وجعلت تنشد وهن يرددن مصفقات :





I love you البطل الثائر I love you

ضاق
عنترة بقومه؛ لأنهم ينكرون حريته، ويحرمون عليه أن يحب (عبلة) فهو عبد لا
يجوز له إلا خدمة سادته والدفاع عنهم، وكلما تأمل حاله تعجَّب من نفسه :
كيف يرضى بذلك ؟ ومع ذلك كان حب أبيه (شداد) يملأُ قلبه بالرغم من قسوتهِ
عليه أحياناً. وكثيرا ما سأل نفسه: أحقاً ما زعمته له (زبيبة) أمٌّه من
(أنه ابن شدَّاد)؟


مضى عنترة يهيم في ضوء القمر، وهو يسبح في شجونه، وكان يحس أن الحركة في
ذلك الفضاء الذى يغمره نور القمر تبعث في نفسه راحة، وكانت صورة (عبلة)
تتمثل له عند كل خطوة؛ فلماذا لا يعلن حبه لها إن كان ابن شداد حقاً؟ أما
إن كان عبداً ولم يعترف أبوه بنسبه فليضع السيف في صدره ويخلص من الحياة.


وبينما هو في طريقه إلى الوادي سمع صوت (شيبوب) أخيه يناديه، ويعاتبه لأنه
ترك حراسة منازل النساء فقال له : ألسنا في الشهر الحرام الذي يمتنع فيه
العرب عن العدوان؟ فقال شيبوب : وهل منع الشهر الحرام من أراد الانتقام؟


قال عنترة : صدقت . ودار بينهما حوار حول الطبيعة والنجوم، وما يتخيله عنترة من حبِّه وحقه في الحرية.


عن (زبيبة) أمهما، ولماذا لم تصرح بأن عنترة هو ابن شداد؟ وقال عنترة :
إني أريد أن أسأل (شدَّاداً) عن ذلك فهل أنا ابنه حقاً ؟ قال شيبوب : أما
أنا فقد رضيت بأنني شيبوب عبد شداد وابن زبيبة، وأذكر أنني منذ كنت طفلاً
كنت أعيش حرّاً في بلادي قبل أن أحمل إلى هذه الصحراء، فأنا لم أولد
عبداً، ولست أحب أن يكون لي أب سوى ذلك الأب الذي جاء بي.
وأما أنت يا عنترة فلست ترضى إلا أن تكون ابناً لأحد هؤلاء الجفاة الغلاظ
الذين يسومونك الهوان.


وسمع عنترة صوت عبلة وهي ما زالت تغني مع صاحباتها، فتحدث مع شيبوب عن
حبِّه لها. حتى انقطع الغناء فقال شيبوب: إنك تعذب نفسك بهذا الوهم وهو
حبه عبلة، وأخشى عليك من أهلها وقومها.
أنت تحسب أنك منهم، وهم لا يرون إلا أنك عبدهم. وإن شعرك يعلن عن حبك لها
وهذا خطر عليك ؟ قال عنترة : وهل يخيفنى أن يعرفوا حبي لعبلة؟ لقد كنت
أخفى ذكرها خوفاً مني عليها لا خوفا على نفسي.


قال شيبوب : وهل غرتك تلك البسمات التي تراها منها؟ إنها لا ترى فيك إلا
عبداً مطرباً؛ فهى فتاة معجبة بنفسها. فغضب عنترة من كلام أخيه وصاح : إنك
تكذب، قال شيبوب : بل أنت الذى لا تريد أن تعرف الحق، إنك تحبها وهذا الحب
يحملك على أن تخدع نفسك. أتحسب عبلة ترضي بك زوجاً؟ وتختارك على سادات
قومها؟ إنها لو سمعت أنك تخطبها لضحكت قائلة: لا أريد من عنترة إلا شعراً
.. ولكن عنترة جعل يغمغم ببعض الكلمات ثم نطق بشعر يعتب فيه على الدهر
الذي جعله عبدًا فيه:


قال عنترة : إني أعذرُك يا شيبوب؛ فلست تقدر أن تنظر بعيني أو تحسَّ بقلبي
وقد تكون أسعد حظاً منى، ولكنى لا أرضى أن أكون إلا كما ترانى، وأظنك كنت
تخوفني غضب ( مالك ) أبي عبلة وابنه (عمرو) وقومهم من بنى عبس، وإننى ساخط
عليهم جميعاً، ولست أخشاهم لو علموا حبي قال شيبوب هازئا : إذن فاحرق كبدك
في تمني مالا سبيل إليه. قال عنترة : لا أريد إلا أن أفوز ببسمة منها ،
فهي حياتي وغاية آمالي.


وعاد صوت الغناء فجأة وحمله النسيم إليها . فقال عنترة : اسمع يا شيبوب
إنها تغني. واقتربا من الخيمة حتى استطاعا تبيُّن اللفظ فقال عنترة : لقد
صحَّ ظنِّي يا شيبوب. إنها تغني بشعري، ثم اندفع مسرعا بين الخيام، فلما
رأته الفتيات صحن : هذا عنترة . وقعت عينه في عينى عبلة فقامت على استحياء
مسرعة إلى خبائها ، وبنات عمها يتعلقن بأذيالها ليمسكنها . وقضى عنترة
الليلة مع أخيه على جانب الكثيبب ينشده من شعره، وقلبه يفيض بشرًا.

avatar
Admin
المديرون
المديرون

عدد الرسائل : 45
الاوسام : 2
تاريخ التسجيل : 09/09/2008

http://miro.dahek.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى